الحمّام: إرث معماري و مرآة على المجتمع

“الحَمَّام “

إرث معماري و مرآة على المجتمع

بقلم: جاد محجوبي خليفة. مهندس معماري. الجزائر

لطالما كانت الحمامات الشعبية تحفة من الإرث المحلي الجزائري وقطعة معمارية لا تتجزأ من رقعة النسيج العمراني الاسلامي، والتي تشهد على النظام الاجتماعي المتقدم الذي كان سائدا آنذاك. وأن الاهتمام بهذه المنشآت يعود لأسباب دينية بحتة، وخصوصاً لاقتران النظافة في الإسلام بالإيمان وسعيه نحو الطهارة، وأيضاً لدورها الاجتماعي الذي لعبته في الماضي القريب. لا نستطيع أن نغفل ثقافة الاستحمام التي ورثتها شعوب هذه المنطقة من الحضارات المتعاقبة عليها (الرومان)، والتي ساعدت في إقبال الناس على ارتياد الحمّام وقبوله في حياتهم اليومية وفي ممارساتهم الإجتماعية¹. إن عدد الحمّامات و تواجدها في مدينة ما، هو دليل على التطّور الاجتماعي والاقتصادي للمدينة وهو ما كان في قصبة الجزائر². إذ عرف سكانها حمامات قبل مجيء الأندلسيين، لكنها لم تكن بنفس الهندسة التي عرفت في الفترة العثمانية، وكان هناك عدد كبير من الحمامات بالمدينة العتيقة مثل حمام ”سيدنا” نسبة لمصطفى باشا وحمام بوشلاغم. فتبقى هذه الحمّامات الفضاءات التي لا يغفل عنه السياح الأجانب لما تحتويه من خصوصية ثقافية واجتماعية، بغية التعرف على أعقاب تاريخها الحافل وهندستها المعمارية الفريدة.

يحتوي الحَمَّام على 7 غرف، حيث نجد قاعة الانتظار، قاعة تغيير الملابس التي يكون جنبها صندوق الدفع، غرفة لتنظيم الأمتعة التي كانت مرقمّة وتوضع في مرتفع ضمانا لها من السرقة. كما أنه اشتمل على غرفة صغيرة توضع فيها مجوهرات العروس والأشياء الثمينة فقط. ثم ”البِيتْ السْخُونَة” للتعرق والفرك والتدليك. بعد الخروج منها يتم التوجه إلى ”البِيتْ البَارْدَة”، وهي عبارة عن مساحة تتواجد بها أفرشة لأخذ قسط من الراحة مع لبس ”الُفوطَة”، ثم يتم التوجه بعدها إلى ”بِيتْ الغْسِيل” للغسل مرة ثانية بَالكَاسَة وْالغَسُول وْالطَاسَة (كان هناك فألا سيئا إن ضاعت الطَاسَة. (كما تتواجد غرفة خاصة فقط بالعروس وأهلها حتى لا تختلط بآخرين وتكون في كامل راحتها. والميزة التي يختلف فيها ذهاب العريس إلى الحمام عن العروس هو اصطحابه ب”الغَايْطَة”، ليتوقف هذا الإعلان التقليدي إلى غاية دخوله المنزل. لكن ”الغَايْطَة” لم تكن مصاحبة للعروس حتى تكون في جو محتشم.

.

كانت النساء ترتاد الحمّام خلال النهار والرجال في المساء، في أغلب المدن ما عدا في حال وجود حمّام توأم فيه قسم للرجال و آخر للنساء. بالنسبة للرجال كانت الحمّامات المكان الأمثل للقاء الأصدقاء وتبادل الآراء السياسية، أضف لذلك ما كانت تضيفه من انتعاش في الصيف ودفئ في الشتاء، أو للاغتسال بعد الانتهاء من العمل في آخر النهار. يرتاد الرجال الحمّام مرة أو مرتين في الأسبوع، و يمضون فيها نصف ساعة أو ساعة بعد الاستحمام قبل ارتداء الملابس لمغادرة الحمّام، يتم تناول القهوة أو الشاي. بالنسبة للنساء الأمر مختلف نوعا ما نظراً لندرة خروج النساء خارج البيت، فالنساء كن لا يخرجن إلا لزيارة الأهل والأصدقاء وإلى الحمّام. وتختلف الغاية والأهداف من زيارة الحمّام، فإذا لم يمكنها الاغتسال في البيت، فيجوز لها دخول الحمام الشعبي للضرورة مع التحفظ والاستتار. ورغم أن ارتياد النساء للحمّام قد لا يكون بشكل دوري أو أسبوعي، غير أنهن يقضين وقتاً أطول في الاستحمّام من الرجال. فكان يمثل لهن مكان لاجتماع دوري، أو مكان لتبادل الآراء أو لنقل المعلومات والشائعات، مكان للبحث عن خطيبة، أو حتى مكان للاهتمام بالبشرة وللتجميل أو للتحضير للزواج.

.

على مستوى المدينة، كان الحمام غالبا مرفقا بالفندق أو ملحقا بالجَامَع لتأمين الوضوء والطهارة وخاصة قبل صلاة الجمعة، وخدمة الاغتسال لعابري السبيل والغرباء عن المدينة، و مكان لعقد الصفقات التجارية المختلفة. لعل عزوف الناس عن الارتياد الحَمَّام يكمن في تدني الخصوصية أين صار مرتعا للرذيلة وانتشار المظاهر المخلة بالحياء، وتحوله لمكان للتباهي المبالغ فيه بالمكانة الاجتماعية، وكذلك في نقص النظافة والجودة والتنظيم أحيانا والضيق والظلمة وغياب نظام تهوية خاصة أوقات الازدحام. أو ربما تحسن أوضاع المعيشة وتملك معظم الناس للدش في منازلهم وتوفر المياه الساخنة بشكل دائم، عجل بالتراجع للخروج إلى الحَمَّام حيث كان سابقا ضروري لعدم توفر الإمكانية في المنازل.

وقد يعود السبب لعدم مواكبته متطلبات العصر وتلبيته لاحتياجات الأجيال الجديدة، أو ربما لظهور بدائل أخرى للاستجمام والاجتماع. مم يدعو الأمر لتصميم الحمامات وفق مفاهيم جديدة تتضمن حمام تدليك مائي ودش خاص بكل شخص للاختلاء، مثل المنتجعات الصحية

(Spa)

التي تقدم خدمات حديثة كحمام طيني، وحمام بخار، وساونا

(Sauna)

وهلم جرا.

وبشكل عام يمكن القول إن كل عتبة في الحياة كانت ترافقها رحلة إلى الحمّام، كالزواج و الولادة وغيرها (مكان للاحتفالات العائلية أيضا)… وللحمّام دور صحي بالإضافة للطهارة للاغتسال، ففيه تجري المعالجة بالزيوت المطيبة والنباتات الطبية عند الاستحمام والتدليك³. ولا تزال هذه من العادات الاجتماعية المعروفة تمارس حتى يومنا هذا.

المصادر: (1) & (2) & (3) -. رفعت أبو خاطر: الحمّامات التقليدية ضمن النسيج العمراني للمدينة الإسلامية، دراسة مقارنة في عدة مدن متوسطية. مجلة إنسانيات

1 reply

Leave a Reply

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *